دولة «لا حكم بعد»… حين يُستبدل معيار النزاهة بالتبرير

في بلدٍ لم يشفَ بعد من جريمة بحجم انفجار مرفأ بيروت، اختارت السلطة أن تضيف إلى سجلّ الإخفاق السياسي إخفاقًا أخلاقيًا جديدًا، عبر تعيين غراسيا يوسف القزي مديرةً عامة للجمارك، رغم كونها مدّعى عليها في ملف المرفأ، وموضوع ملاحقة قضائية سابقة في قضية فساد تعود إلى عام 2019 ولا تزال مفتوحة.

القرار، بحدّ ذاته، لا يُناقَش فقط من زاوية قانونية ضيّقة، بل من زاوية المصلحة العامة، ومعايير النزاهة، وحسّ المسؤولية في إدارة دولة فقدت ثقة مواطنيها ومجتمعها الدولي. فالجمارك ليست إدارة عادية، بل أحد أبرز مفاصل الدولة المالية، وأحد أكثر القطاعات ارتباطًا بملفات الفساد والتهريب والإهمال.

وزير الإعلام بول مرقص سارع إلى تبرير القرار بالقول إن “لا مانع قانونيًا من التعيين طالما لم يصدر حكم مبرم”، وإن القزي تتمتع بكامل حقوقها المدنية والسياسية. هذا الكلام، وإن كان صحيحًا من حيث الشكل، إلا أنه يفتقر إلى الحد الأدنى من الحسّ السياسي والأخلاقي.

فالدولة ليست ملزمة، في التعيينات الحساسة، بالبحث عمّن “لم يُدان بعد”، بل عمّن لا تحوم حوله شبهات جدّية، ولا تتقاطع مسيرته مع ملفات بحجم انفجار دمّر العاصمة وقتل المئات وشرّد الآلاف. الفارق شاسع بين ما يسمح به القانون، وما تفرضه المسؤولية العامة.

الأخطر من القرار نفسه هو الخطاب الذي يرافقه. خطاب يُفرغ مفهوم المحاسبة من معناه، ويحوّل عبارة “لا حكم بعد” إلى مظلّة تبرير لكل خيار مستفز. وكأن العدالة في لبنان، ببطئها وتعطيلها، تحوّلت من أزمة إلى أداة سياسية: ما دام التحقيق معطّلًا، فالأبواب مفتوحة للمناصب.

في الدول التي تحترم نفسها، تُعلَّق التعيينات عند الشبهة، لا تُمرَّر باسمها. أمّا في لبنان، فيبدو أن الشبهة لم تعد عائقًا، بل تفصيلًا يمكن تجاوزه ببيان رسمي. وهنا تكمن المشكلة الحقيقية: ليس في شخص المعيَّن فقط، بل في منطق إدارة الدولة، وفي استخفافها بذاكرة الضحايا وبحق الرأي العام في الثقة والشفافية.

ليست هذه محاكمة إعلامية، ولا دعوة إلى إدانة مسبقة. لكنها مساءلة سياسية وأخلاقية مشروعة. فحين تعجز الدولة عن إنجاز العدالة، يصبح من واجبها على الأقل ألا تستفز المجتمع بقرارات تُعمّق الجرح وتكرّس الانفصال الكامل بين السلطة والناس.

بهذا المعنى، لم يكن تبرير وزير الإعلام مجرّد تصريح، بل ترجمة دقيقة لنهج كامل: نهج يختزل الدولة بنصّ قانوني، ويُقصي الضمير العام، ويعامل كارثة وطنية كأنها تفصيل إداري.
وهكذا، مرة جديدة، يُطلب من اللبنانيين الصبر… فيما تُمارَس السلطة بلا أي شعور بالمساءلة